
ثمة نوعٌ من الوحدة لا يشبه سائر أنواعها؛ وحدةٌ لا تأتي من الفراغ، بل من الازدحام. تجلس بين من يحبونك، بين أهلٍ يسألون عنك ويهتمون لأمرك، وتشعر (رغم كل هذا الحضور) أن الوحشة لا تطاق
وصلت رسالة قبل بضعة أيام حول فقيدة العمر. قرأتها، وشعرتُ أنها لم تكتب عن نفسها فقط ولم يكن الذي هزّني الكلمات فيها فقط، بل انها وصفت شعور أعيشه منذ فقدت حبيبة الروح ولم أستطع أن أصفه حتى قرأت ما قرأت. وصفت شعورًا أعيشه كل يوم
قد يظن الناس أن الغربة هي أن تعيش بعيدًا عن وطن، أو أن تكون في مدينة لا تعرف أحدًا فيها. لكنني اكتشفت أن أقسى أنواع الغربة هي أن تكون محاطًا بمن يحبونك، بعائلتك، بأولادك، بإخوتك، بأصدقائك… ومع ذلك تشعر أن أكبر جزء منك قد رحل عنك إلى يوم الدين
أنا لست وحدي. بيتي مليء بالأصوات، وهاتفي لا يتوقف عن استقبال الرسائل، وأهلي يقصرون أو لا يقصرون في السؤال، وأصدقائي مثلهم ولكن كل هذا لا يعني (للأسف) شيئا أبدا ولا يقارن بنظرة واحدة
فالغربة بين الأحبة نوعٌ خاص من الألم، لأنها لا تُبرَّر بنقص المحبين، بل بغياب من يشبهك في داخل هذه المحبة وغياب من أحببت ودمجت أرواحكم لحد لا يمكن ان يوصف. فالعائلة تُحسن إليك، تسأل عنك، تريد لك الخير لكن الخير ليس هو الفهم. وكم من إنسانٍ محفوفٍ بالحب، ومع ذلك يشعر أنه يتكلم لغةً لا يفهمها من حوله، وأن كل كلمةٍ يقولها تحتاج إلى ترجمةٍ لا تكتمل أبدًا
هناك فرقٌ بين أن يحبك أحد، وبين أن يراك أحد. المحبة قد تكون عامة، سخية، صادقة لكنها لا تلزم أن تكون بصيرة. أما الرؤية، تلك التي تلتقط في نظرةٍ واحدة كل ما لا تستطيع أن تقوله، فهي أندر بكثير. وحين يغيب من كان يراك، من كان هو عمود حياتك وركزها من بعد رب العباد. يبقى الحب من حولك، لكن تبقى أنت وحيدًا في داخله
ولعل الأصعب أن هذه الوحدة لا تُقال بسهولة، لأن قولها قد يُفهم خطأً، كأنك تنكر محبة من حولك أو تقلل من قيمتها. فتصمت، وتحمل غربتك وحدك، بين أحبةٍ لا يعرفون أنك تشعر بالغربة أصلاً
لم تكن هي مجرد شخص آخر في حياتي، بل كانت اللغة التي لا تحتاج إلى كلمات. كانت النظرة التي تسبق السؤال، والابتسامة التي تسبق الجواب، والصمت الذي كان أبلغ من أي حديث. كان يكفينا أن ننظر إلى بعضنا لنعرف ما الذي يدور في قلب الآخر
هناك أشياء لا يستطيع أحد، مهما أحبك، أن يعوضها. ليس لأن الناس مقصرون… بل لأن لها مكانًا في القلب لا يتكرر. كانت ببساطة كل شيء
أجلس أحيانًا وسط مجلس أهلي المليء بالناس، وأشاركهم الحديث، وأبتسم، وأضحك أحيانًا غصبا وقهرا فالبر يجبرك كثيرا من الأحيان، لكن في داخلي مقعد فارغًا. وجرحا نازفا إلى ما شاء الله. المقعد الذي كانت تجلس فيه هي. وأحيانًا ألتفت بعفوية لأحكي لها شيئًا، ثم أتذكر أنها لم تعد هنا
ولعل أكثر ما يؤلمني أن الجميع عادوا تدريجيًا إلى حياتهم الطبيعية، وهذا حقهم، فالحياة لا تتوقف لأجل أحد
أما أنا… فقد توقفت ساعة في داخلي يوم رحلت. وأصبحت أتعلم كل يوم كيف أعيش بدون قلب
الغربة بين الأحبة ليست نقصًا في الحب الذي يقدمونه لنا بل هي غياب الشخص الذي كان يجعلنا نشعر أننا مفهومون دون أن نشرح، ومسموعون دون أن نتكلم، وآمنون دون أن نسأل
قد يحبك مئة إنسان… لكن هناك شخص واحد فقط كان يشعر بك قبل أن تنطق
وحين يغيب… لا تصبح الحياة خالية من الناس، بل تصبح خالية من ذلك الإحساس الذي لا يصنعه إلا شخص واحد
رحمك الله رحمة واسعة. لقد تركتِ حولي أهلًا وأصدقاء وأبناءً يحبونني، وأحمد الله عليهم جميعًا
لكنك أخذتِ معك الوطن الذي كنت أعيش فيه وأنا بين الناس
فصرتُ غريبًا… ليس بين الغرباء، بل بين الأحبة
عندما زرتك اليوم (مثل كل زيارة) أحسست بعظم مصيبتي وكسري وفقداني وضياعي من دونك . أسأل الله أن يتقبل دعائي لك ويجعلك في عليين ويتقبلك مع الشهداء والأنبياء والصالحين
يمنعني جسدي الحي أن أكون معكِ، ولكن ستمضي الأيام سراعا ليوم فيه لقاء بإذن الله. ما يهم اليوم هو التجهز بالزاد لذلك اليوم وتعبئة حقائبنا بما يؤهلنا
أسأل الله باسمه العظيم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سؤل به أعطى أن يرحمك رحمة تملأ السماوات والأرض وأن يجعل قبرك جنة من جنات النعيم
جمعني الله وإياك في الفردوس الأعلى من غير حساب ولا سابقة عذاب
استودعتك عند الله الذي لا تضيع عنده الودائع
إلى لقاء قريب



Leave a comment