بعد رحيل شريكة الأيام

لم يكن ذلك صباحاً عادياً… رغم أن كل شيء بدا عادياً
كانت لا تزال جزءاً من تفاصيل يومي
صوتها في البيت، أغراضها في مكانها، رسائل لم نكملها، وأحاديث مؤجلة… كأن الحياة ما زالت تنتظرنا
ثم… فجأة…انتهى كل شيء
لا إنذار…لا مقدمة…لا حتى فرصة لالتقاط أنفاسنا
فقط…انتهى دورها في القصة
في الأيام الأولى بعد رحيلها، كنت أجد نفسي أمد يدي لهاتفي أريد أن أتصل بها. لا لأخبرها شيئاً مهماً… فقط لأقول لها شيئاً عادياً… شيئاً تافهاً… شيئاً يومياً
ثم أستوعب…أن الرقم ما زال موجوداً…لكن الصوت… لن يأتي أبداً
في تلك اللحظة… فهمت شيئاً عرفته دوما ولم أفهمه قط
نحن نعيش وكأننا نملك امتداد القصة. نخطط للغد، نؤجل الحديث، نؤجل الاعتذار، نؤجل الحب… ونظن أن المشهد سيبقى مفتوحاً حتى نقرر نحن نهايته
لكن الحقيقة القاسية، أن دورك أو دور من تحب قد ينتهي في منتصف الجملة
رحيلها لم يكن مجرد فقدان شخص… كان فقدان “عمود” الحياة
هي التي كانت ترتب الفوضى بهدوء وتداوي الخوف بابتسامة وتجمع الأسرة دون أن نشعر كيف كانت تفعل ذلك. كانت كل شيء وبقيت وحيدا من غير شيء
رحلت
وفجأة وجدت أن أشياء كثيرة كانت تسير لأنها كانت موجودة
في لحظة ما بعد الرحيل يحدث شيء غريب
تدرك أن الإنسان ليس هو بطل قصته كما يظن
في ثانية واحدة تُسحب منك البطولة وتتحول إلى مشاهد صامت
يتحدث الناس عنك يتخذون القرارات نيابة عنك ويرتبون تفاصيل غيابك وأنت خارج المشهد تماماً
هذه هي الحقيقة التي لا نحب التفكير فيها، نحن لا نملك توقيت خروجنا من المسرح
رحيلها جعلني أفكر بسؤال واحد، بسؤال بسيط، لكنه مرعب
لو انتهى دوري أنا الآن هل أنا راضٍ عن المشهد الأخير
هل قلت لمن أحبهم إنني أحبهم؟
هل سامحت من يجب أن أسامحه؟
هل اعتذرت حين كان الاعتذار ممكناً؟
هل تركت خلفي أثراً طيباً… أم فوضى؟
الموت ليس مخيفاً لأنه نهاية فقط، بل لأنه مفاجئ ونهائي ولأنه لا يمنحك فرصة إعادة المشهد
رحلت هي وبقيت أنا
أحمل دروساً ثقيلة لكنها صادقة
رحلت زوجتي ولم يرحل معها شخص فقط. بل رحل جزء مني، رحل صوتٌ كان يهدئ قلقي. رحلت اليد التي كانت ترتب فوضى حياتي دون أن ألاحظ. رحلت الطمأنينة التي كنت أظنها جزءاً طبيعياً من الحياة… فاكتشفت أنها كانت هي
منذ رحيلها أصبحت الأشياء صامتة بطريقة مختلفة. البيت نفسه لم يعد كما كان، الوقت أصبح أثقل…والأيام أطول مما ينبغي
تعلمت أن الفقد لا يأتي على هيئة دموع فقط، بل يأتي على هيئة تفاصيل صغيرة
كرسي فارغ…رسالة قديمة…كلمة لم تقال وحياة انطفأ منها دفء لا يُعوّض
رحلت زوجتي… وتركت لي درساً قاسياً… لكنه صادق
أننا نؤجل الحب… وكأن الوقت مضمون. نؤجل الكلمة الطيبة… وكأن اللقاء دائم. نؤجل الاعتذار… وكأن القصة لن تنتهي فجأة
لكنها تنتهي بلا مقدمات وبلا فرصة أخيرة
لا تنتظر اللحظة التي تتمنى فيها أن تعود دقيقة واحدة فقط لتقول كلمة أو تمسك يداً أو تطلب الصفح
فبعض الأمنيات لا تأتي إلا بعد فوات الأوان
رحلت وتركت في قلبي حزناً لن يزول وفراغاً لن يُملأ…لكنها أيضاً تركت لي درساً لا يُنسى
أن الحياة قصيرة وأن الحب يجب أن يُقال الآن وأن القلوب التي نملكها اليوم قد لا نجدها غداً
رحمكِ الله رحمة واسعة
لم تنتهِ قصتنا لكنها أصبحت تُكتب الآن… بدمعة وذكرى ودرسٍ لن أنساه ما حييت
لا تؤجل ترتيب حقائبك، فموعد الرحلة قد يأتي وأنت في منتصف الجملة ولا يمنحك فرصة لإعادة كتابة المشهد الأخير
رحمها الله وجعلها من أهل الفردوس الأعلى من غير حساب وجعل رحيلها تذكرة لي ولكل من يقرأ بأن القصة قد تنتهي فجأة
فاجعل نهايتك… تليق بك



Leave a comment