عندما غابت الأركان

دخلت مرة أخرى إلى كهفي الرمادي المعتم وجلست في ضوئه الخافت أبحث عن نفسي مرة أخرى. أمسكت سيجاري أقلبه في تردد وأفكر في أحاديث النفس في الساعة المقبلة
قلت له قبل أن أقطع نهايته، لا تقلق… لن أستعجل –
قصصتُ النهاية بدقة مبالغ فيها فأحيانًا حين تفقد السيطرة على حياتك، تُفرط في السيطرة على التفاصيل الصغيرة
أشعلتُه بهدوء، اللهب اقترب، تراجع، اقترب ثانية. السيجار لم يقبل النار من أول مرة
ابتسمتُ وقلت
حتى أنت… تحتاج إقناعًا –
سحبتُ نفسًا بطيئًا، دخان كثيف صعد كذكرى لا تستأذن وبدأ الدخان يلتفّ في الكهف ببطء، كما لو أنه يعيد ترتيب الهواء. قلتُ له وأنا أحدّق في الرماد
غابت أركان الحياة وبقي السقف معلقا في الهواء –
لم يقاطعني وأكملت له
الناس يعتقدون أن الفقد حزن. هذا تبسيط مُهين. الفقد انهيار هندسي لهيكل متكامل. كنتُ مبنيًا على وجودها ومُعرف بها، والآن يُطلب مني أن أقف وكأن شيئًا لم يحدث
توهج رأسه قليلا وأجاب بهدوء مؤلم
كنتَ تتكئ عليها أكثر مما تعترف –
هززتُ رأسي في ألم قاتل ودمدمت
كنتُ أقف… لكن نعم، كنتُ مطمئنًا. والاطمئنان نوع من الاتكاء لا نلاحظه إلا حين يختفي –
أخذتُ نفسًا أطول. الدخان خرج أبطأ وأكثر كثافة وأكملت
هي لم تكن زوجتي فقط. كانت مركز الثقل. كانت النظام الذي يجعل الفوضى رائعة. الصوت الذي يجعل الضجيج محتملًا. البوصلة البي تجعل الحياة متوازنة ومفهومة حتى حين تكون قاسية
كنتُ أعود منهكًا، مشوشًا، غاضبًا أحيانًا… فأجلس، وأتذكر دون وعي أن كل شيء له معنى طالما هي هنا
ردّ سيجاري بسخرية مريرة
الآن المعاني ما زالت موجودة لكن بلا عناوين –
ضحكتُ ضحكة قصيرة، جافة
بالضبط. الحياة لم تنكسر. أنا الذي فقدتُ الدليل –
لاحظتُ أن سيجاري يحترق من طرف واحد أكثر من الآخر فقلت له ساخرًا
حتى أنت تحترق بشكل غير متوازن… مرحبًا بك في عالمي الجديد –
ضحكتُ ضحكة قصيرة، مذنبة، كما لو أن الفرح صار خيانة
تعرف ما المشكلة الحقيقية –
ليس أنها رحلت… بل أنني كنت أظن بسذاجة الرجال الذين يحبون بصدق أن الأعمدة لا تسقط والأساسات لا تختل
سكتُّ قليلًا، ثم قلت
لم أكن أستمد قوتي منها، بل استقراري. وهذا أخطر. القوة يمكن تعويضها… أما الاستقرار، فإذا انهار، تركك واقفًا فوق أنقاضك تحاول أن تتذكر: كيف كنتُ أقف دون أن أفكّر
سقط الرماد لأول مرة ولم أنتبه. ترك أثرًا صغيرًا على الطاولة
قال سيجاري: هذا ما يحدث حين لا تمسك الأشياء كما كنت تفعل –
صمتُّ ثم قلت، كمن يعترف لنفسه
الناس يعتقدون أن الفقد حزن. لا بل الحزن شعور، أما الفقد فهو إعادة تعريف كاملة. من أنت حين لا تعود الشخص الذي كان يُنادى باسمه
توهّج رأس السيجار أكثر
ومن تكون حين لا يعود هناك من يناديك أصلًا –
سحبتُ نفسًا عميقًا وقلت
أخاف من شيء واحد فقط –
الاعتياد؟ قالها قبلي –
نظرتُ إليه وقلت
نعم. أن يصبح غيابها عاديًا. أن أمرّ على ذاكرتها دون أن ينهار كل شيء داخلي. أظن أن هذا موت ثانٍ
سكت السيجار طويلًا حتى ظننتُ أنه انتهى ثم قال بصوت خافت
لا تخف. الأركان لا تختفي. هي تسقط داخلنا… وتتحول إلى ألم مزمن لا يموت. كجرح في سقف حلقك لا يكاد أن يشفى حتى تبحث عنه وتلامسه بلسانك فيعود نازفا كما كان
اقترب من نهايته، حرارته زادت وأصبح الاحتراق أسرع
قلت له وأنا أتركه ليصمت ببطء
لن أتركك تحترق حتى آخرِك –
ولا هي تركتك، قالها أخيرًا –
وقفتُ أنظر حولي. الكهف ما زال نفسه والعالم لم يتغير
لكنني على الأقل عرفت اسم من ذهبت….. الركن والمركز والمحور لكل شيء
أطفأتُ سيجاري قبل أن ينتهي. ليس رحمةً به… بل رأفة بي



Leave a comment