في لحظة واحدة، توقفت الأرض عن الدوران. شريكة عمري لاثنين وثلاثين عامًا، أم أولادي، حبّي الأول والأخير… رحلت

رحلتِ يا حب العمر، فاختلّ كل شيء

رحلتِ ولم يكن لوداعك وقتٌ، ولا في غيابك مبررٌ يُقنع العقل أو يُسكّن القلب
رحلتِ وكأنكِ حملتِ كل ما كان يجعل لحياتي طعمًا، وتركتِني في صقيعٍ من التيه والذهول

منذ أن غبتِ، لا أعرف كيف أعيش
كل شيء في بيتنا يُناديكِ. كرسيك الأخضر المخملي الذي كنتِ تجلسين عليه، ضحكتكِ التي كانت تملأ الزوايا، صوت خطواتكِ في البيت، دعاؤكِ في الفجر، وحتى صمتكِ… كل شيء ما زال موجودًا، إلّا أنتِ


تركتني فجأة، دون وداع، دون مقدّمات، كأنك سافرت من الدنيا إلى السماء، وتركت قلبي معلّقًا في حالة من انعدام الوزن لا يعرف أين يذهب

انتهى امتحانك واحسبك عند الله من أصلح الصالحات

منذ رحيلك، وأنا أشعر كمن ضاع في الفضاء


كنت أظن نفسي رجلاً قويًا، متماسكًا، جبلا لا يهتز… حتى أدركت أن كل ذلك كان لأنك كنت حولي، خلفي، أمامي، بجانبي… تحميني، تدفعيني، تُسنديني، وتحبيني

كنتِ نِعمة. لا، بل كنتِ النعمة الأعظم

في اثنين وثلاثين عامًا من الزواج، لم أسمع منكِ كلمة تُغضبني. لم تقفي يومًا في وجهي، ولم تُشعريني لحظة أنني في معركة. كنتِ دائمًا السكن، والميناء، والسكينة. بصبركِ، بحكمتكِ، بكرمكِ العاطفي، جعلتِ من بيتنا جنّة، ومن زواجنا قدوة.


كنت مركز حياتي، البوصلة التي لا تضل، القلب الذي أرتاح فيه، والعقل الذي يُكمل نقصي

لم تكوني فقط زوجتي… بل كنت نفسي وبعضي وكلي. كنت تنظري إليّ فأرتاح، تبتسمي فأطمئن، تقتربي فأحسّ أن الحياة بخير


لم تُغضبينني يومًا، لم تُحزنينني مرة، لم أسمع منك كلمة مؤلمة. طوال 32 عامًا، لم تغب عنك الحكمة، ولا انقطع منك الحنان، ولا تبدّلت ملامحك الطيبة في وجهك يوما

امرأة من نور… لا تَغضب، ولا تُغضب

لم تكوني فقط عماد بيتنا، بل كنت روح العائلة كلّها. كنت تُديرين حياتنا كأم حكيمة، وزوجة محبّة، وصديقة وفية
كنت السند لكل من حولنا… لأهلي، لأهلك، لأقاربنا، لأصدقائنا. كنت المُصلِحة، والمبادِرة، والمستودَع الآمن لأسرار الجميع

كنت تُديرين العلاقات، تحلي الخلافات، وتبني جسور المحبة بين كل من عرفتهم

أم أولادنا
فقد ربيتهم على الحبّ، على الاحترام، على المسؤولية، وعلى أن يكونوا بشرًا قبل كل شيء
أنت من صنعت رجلاً حنونًا، كريمًا، أصيلاً، يعرف قيمة أمه. وأنت من صنعت امرأتين رائعتين، قويتين، أنيقتين بالعقل والأخلاق، تشبهانك في كل التفاصيل… من طريقة الابتسامة إلى رقيّ الحديث. كل جميل فيهم، هو منك. كل نجاح لهم، هو بصمتك.

ما أعظم علاقتكِ بالله
حفظتِ كتاب الله وتعلمته وعلمته. كنتِ تُصلي بخشوع يُربك القلب، تدعين لي ولأولادكِ ولمن تحبين، وكنتِ دائمًا تذكرين “اللهم اجعلني سبب خير لا شقاء”.
نعم… كنتِ سبب خير، سبب حياة، سبب رضا… وذهابكِ شقاء لا يُحتمل

لا أحد يُصدق أنكِ رحلتِ
حتى من لا يعرفكِ إلا عابرًا، يُبكيه خبركِ

كنت قريبة من الله
تدعين بصمت، تصبرين على الابتلاء، وتفرحين بالنعمة. تُعطي دون أن تنتظري، وتساعدين دون أن تُسألي
لا أحد يعرفك إلا ويحمل لك الخير في قلبه. لم تتركي خصامًا في طريقك، ولا ظلّت في قلب أحد كُرهًا أو ضيقًا
كنت نقية، شفافة، كأنك خُلقت من طُهر، ومشيت بين الناس بالحبّ والرضا

واليوم، وأنا في هذا الفراغ الكبير
أحاول أن أُعيد ترتيب حياتي، أن أكون حاضرًا لأولادنا، أن أجد طريقًا يمضي دونك… لكن دون جدوى
كل شيء كان بك، ومعك، ولأجلك

كل يوم بعدكِ يشبه الصمت الأبدي.
أفتح عيني في الصباح، وأبحث عنكِ
أجلس بين أولادنا، وأبحث عن تعليقكِ، عن دعابتكِ، عن دفء صوتكِ
أقود السيارة وأسمع ماكنا نسمع سويا، فأبكي… لا لأن الكلمات مؤثرة، بل لأنكِ لم تعودي بجانبي

وأسوأ ما في الفقد… أن الجميع يُطالبك بأن “تتماسك”، وأنتَ لا تملك حتى أن تُعيد التقاط أنفاسك

شكرًا لأنكِ صبرتِ حين كانت الحياة قاسية، ووقفتِ معي حين كنت أبدأ من الصفر مرات عديدة، واحتملتِ الغُربة والمشقة والبُعد، وكنتِ تُصبرينني بدلًا من أن أُصبركِ

شكرًا لأن كل نجاح وصلت إليه، كنتِ فيه الداعم الأول، والمحفّز، والمستشار، والمُلهِم
كل إنجاز في حياتي، هو لكِ، هو ثمرة تعبكِ، وبركة دعائكِ، ونقاء نيتكِ

رحلت، لكن لم يرحل أثرك. أنت في صلاتي وسجودي ودعائي، في ذاكرتي، في صوتك الذي لا يزال يهمس في داخلي
في ضحكتك التي تُدوّي كلما حاولت أن أبتسم، في رائحتك التي تملأ البيت، في صورتك التي تُشبه كل شيء طيب عرفته في حياتي

أعدكِ أمام الله، وأمام أولادنا، وأمام قلبي المكسور
أن أحمل اسمكِ في كل دعاء
أن أحكي عنكِ، لا كرثاء، بل كأسطورةٍ كانت هنا… وعاشت كما لا تعيش امرأة
أن أُكمل مسيرتكِ مع أبنائنا، وأن أجعلهم يرونكِ في كل خطوة، يسمعون صوتكِ في ضميرهم، ويشعرون بحضوركِ حتى وأنتِ في الغياب

أعدك أن أحفظ ذكراكِ حيّة، أن أكون كما كنتِ تحبين، أن أُكمل ما بدأناه، أن أكون لكِ فخرًا، كما كنتِ لي حياة

أدعو لكِ ليل نهار، وأناجي ربي أن يجعل قبركِ روضة من رياض الجنة، وأن يسقيكِ من حوض نبيه شربة لا تظمئين بعدها أبدًا
أدعوه أن يجمعني بكِ في جنته، حيث لا فراق، ولا دموع، ولا موت
أدعوه أن يُجزل لكِ الثواب، ويجعل كل ما فعلتِه في حياتكِ من حب وحنان وخير، نورًا لكِ في آخرتكِ

اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك أني راضٍ عنها فارضى عنها واجزها عنا خير الجزاء

حبيبتي
سأظل أذكركِ كل يوم، وسأحدث أولادكِ وأحفادكِ عنكِ، عن المرأة التي كانت أمًّا عظيمة، وزوجة نادرة، وإنسانة لا تتكرر
سأخلد ذكراكِ في قلبي، في كلماتي، في خطواتي، في دعائي، إلى أن ألقاكِ

إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم اجرنا في مصيبتنا وأبدلنا خيراً منها لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى

وداعًا .. لا بل إلى لقاءٍ قريب، بإذن الله، عند ربٍّ كريمٍ يجمعنا، حيث لا ألم، ولا وداع في جنات الخلد على سرر متقابلين بإذن الله

استودعتك عند الله الذي لاتضيع عنده الودائع

Leave a comment