حين تصمت الدولة… يتكلم الغضب

نهاية مرحلة وبداية أخرى
بعد أكثر من عقدٍ من الحرب، الخراب، والانقسام، بدأت في سوريا مرحلة جديدة تبدو في ظاهرها أنها “عودة إلى الدولة”، لكنها في جوهرها تُعيد إنتاج نفس القهر، بل تُراكم عليه تنازلات أخلاقية وسياسية خطيرة


العفو عن المجرمين، التجاهل المتعمد لضحايا القتل والتعذيب والاغتصاب، والسماح لأصوات الانفصال والفوضى بالعلوّ… كلّها إشارات أن هناك شيئًا عميقًا في بنية العدالة السورية لم يُصحَّح بعد

العدالة المؤجلة والقتل بلا محاسبة

ما زال السوريون ينتظرون العدالة

أين المحاكمات

أين الاعتراف الرسمي بالجرائم

أين محاسبة من قتل وشرّد ودمّر وسرق وسجن واغتصب باسم الوطن

أين محاسبة من تجاوز باسم الثورة بعد التحرير وأجج الانفصالية والطائفية والعنصرية

لا دولة بلا عدالة، ولا مصالحة دون محاكم. الدماء التي سالت ليست ماءً مهدراً… والضحايا ليسوا أرقامًا في تقارير منظمات حقوق الإنسان. المعتقلون، الأمهات الثكالى، المغتصَبات، الأطفال اليتامى… هؤلاء ليسوا “أضرارًا جانبية” للحرب، بل محور القضية الوطنية

اللين الفوضوي. الدولة التي تسامح مجرميها وتُهادن انفصالييها

التهاون مع دعوات الانفصال، ومع أمراء الحرب، ومع المتسلقين الجدد على جسد الدولة المنهك، هو تكرارٌ لجريمة الحرب والقمع بشكل آخر
نسمع دعوات إلى تقسيم، إلى فدرالية منزوعة السيادة، إلى استقواء بالخارج، وإلى شرعنة الاحتلالات والتدخلات… بينما الدولة، صامتة ، لينة أو مترددة

أين العصا
أين القانون
أين الردع
هل باتت الدولة تخشى من استخدام أدوات الردع تحت ذريعة المصالحة الوطنية والصورة التسويقية

الناس تغلي والغضب قادم… فلا تخونوا اللحظة

هناك مزاج شعبي يتبدل. الناس قريباً لن ترى في الدولة ملجأً، ولا في خطاب “السلم الأهلي” عزاءً. الكل يسأل: متى تُنصَب المشانق؟ متى يُحاسَب من قتل؟ من سرق؟ من خان؟
إن لم تبدأ الدولة بإعادة إنتاج العدالة، فسيفعلها الناس بطريقتهم. والغضب حين ينفجر، لا يستأذن أحدًا

العدالة ليست انتقامًا… بل وقاية من الفوضى القادمة

حين نطالب بمحاكمات عسكرية، مدنية، وقضائية، فنحن لا نزرع الفتنة، بل نمنعها قبل وقوعها
العدالة ليست كراهية، بل صمام أمان. والحزم في وجه الخيانة ليس انتقامًا، بل ضرورة لبقاء الدولة العادلة
المشانق هنا، ليست رمزية فقط، بل إشارة إلى لحظة حساب. لحظة توقف الفوضى، وتبدأ فيها مرحلة جديدة: دولة حقيقية، بمؤسسات، بسيادة، وبهُوية لا تقبل المساومة

الجزرة والعصا: سياسة العدالة والبناء لا تقوم على التسامح وحده

إذا كانت “الجزرة” هي الأمل في إعادة الإعمار، فـ”العصا” هي ضمان ألّا يُعاد إنتاج الانهيار
لا عيب في استخدام القوة حين تكون في خدمة القانون ولا ضعف في إعلان القطيعة مع من يريد تمزيق سوريا ولا تناقض بين بناء دولة رحيمة… وعدالة صارمة

في شرائع السماء الثواب والعقاب ليسا اختراعًا بشريًا

منذ أن نزل الإنسان إلى الأرض، كانت الرسالات السماوية واضحة في جوهرها لا جنة بلا حساب، ولا مغفرة بلا توبة، ولا دولة بلا عدل. الله عز وجل لم يُرسل أنبياءه ليبرروا الجرائم أو ليُهادنوا الباطل، بل ليقيموا الحجة ويؤسسوا للميزان. ميزان الثواب والعقاب

في القرآن الكريم، يقول الله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب

وفي الإنجيل، يُروى أن المسيح طهّر الهيكل من التجار والغشاشين لا بالموعظة فقط، بل بالعصا

فمن نحن إذًا حتى نُبطِل سنّة العدالة باسم الوحدة الوطنية والتسامح
الوحدة الحقيقية لا تُبنى على القهر المغفور، بل على الحق المحقّق والرحمة التي لا تترافق مع عدالة، تتحوّل إلى غطاء للفجور والفساد

من نحن حتى نتسامح بالنيابة عن حقوق غيرنا

ليس تحريضاً ولا تأجيجاً، بل خوفاً مما هو قادم

نريد دولة لا تعفو عن القتلة قبل أن تعترف بالجرائم ونريد قضاءً يسترد كرامة المظلومين، لا تسويات تعفي الجلاد وتنسى الضحية. نريد محاكم، لا صفقات… نريد مشانق العدالة… قبل أن تنصب الفوضى مشانقها في الشارع

Leave a comment