هل نعيد البناء أم نعيد الماضي

بعد أكثر من عقد من الحرب، النزوح، الدم، والدمار… كان الأمل أن تكون “العودة” مختلفة. أن يكون لنا وطن نعيد بناءه، لا فقط بإسمنت وحجر، بل برؤية وكرامة، وبمشاركة حقيقية في اتخاذ القرار
لكن ما نراه اليوم على الساحة، وفي الكواليس وخلفها، ينبئ بأن آليات اتخاذ القرار لم تتغير كثيرًا، بل إن بعض ملامح الماضي قد تُستنسخ من جديد، وإن اختلفت الوجوه والعناوين والنوايا
عقود من غير خريطة طريق
تتوالى الإعلانات عن مشاريع كبرى واتفاقيات استراتيجية تُبرم بين الدولة السورية ودول أخرى سواء بدافع الدعم أو الاستثمار أو الاستحواذ الاقتصادي وقد يكون الاستحواذ السياسي، ولكنها تتم في معزل تام عن الرأي العام، وعن أي بنية مؤسسية منظمة، أو استراتيجية وطنية معلنة. ويفاجئ الشعب بإعلانات كبرى عبر خبر صغير تتناقله منصات التواصل الاجتماعي
، هذه العقود والتي نُسميها مجازاً (العقود بين الحكومات) قد تكون في مجالات النقل، الطاقة، الموانئ، الاتصالات، المناطق الحرة، وغيرها. والمشكلة ليست في مبدأ التعاون الدولي، بل في غياب
رؤية وطنية واضحة توجه هذه الاتفاقيات نحو أهداف تنموية متكاملة
استراتيجية قطاعية تضع أطرًا لاختيار الشركاء بناءً على جدوى اقتصادية حقيقية
آليات شفافة للمقارنة والمفاضلة بين العروض والفرص
رقابة مؤسساتية تضمن عدم تكرار تجربة ما قبل الحرب
قد يكون ما سبق موجودا جزئيا أو كليا ولكن عدم وضوحه يؤدي للكثير من الشكوك والتساؤلات والإحباط
هل عدنا إلى حكم الظل
حين تُدار المشاريع الكبرى في الظل، دون إشراك السوريين في اتخاذ القرار، تُفتح أبواب الشك، ويُعاد صياغة شعور مؤلم بأن الوطن يُدار باسم “المصلحة الوطنية” بغض النظر عن سلامة النوايا، ولكن دون مشاركة حقيقية من أبنائه
السؤال الجوهري: هل قاتلوا، وهُجروا، وخسروا، فقط ليعودوا إلى نفس البداية التي أفضت إلى الخراب
لا نلوم الشركاء الدوليين، فكل دولة تبحث عن مصالحها، ولكن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي ألا نكون سوقًا مفتوحًا، أو غنيمة متروكة، أو طرفًا ضعيفًا في تفاوض غير متوازن
ثلاث أنواع من مشاريع إعادة الإعمار
بناءً على نقاش مع صديق منخرط في جهود ومحاولات المساهمة في إعادة بناء سوريا، خلصنا الى أنه قد يكون من الواقعية تصنيف مشاريع المرحلة القادمة إلى ثلاث مجموعات
المشاريع الحكومية الاستراتيجية G2G
وهي مشاريع كبرى، غالبًا تُدار بالتفاوض المباشر، وتُقسم حصصها سلفًا، دون إعلان أو تنافس. هذه الطبقة تتحكم بها الديناميكيات السياسية الإقليمية والدولية أكثر من الاعتبارات الاقتصادية المحلية
المشاريع المتوسطة / الشركات الصغيرة والمتوسطة SMEs
هنا تكمن الفرصة الذهبية لبناء اقتصاد محلي مرن وموزع. هذه المشاريع قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتحقيق عوائد سريعة نسبياً. لكنها لا تزال تواجه عراقيل استراتيجية، بيروقراطية، وتشريعية، ومالية
المشاريع الاجتماعية والتمويل الصغير
تقودها المنظمات غير الحكومية، أو المبادرات المحلية، وتركز على تمكين الفئات الضعيفة، ومشاريع البنية الأساسية الصغيرة ولكنها لا تستطيع وحدها خلق تحول اقتصادي على مستوى الدولة
ورغم الغضب، والإحباط، والشعور المتكرر بأننا نُعيد اجترار ذات النماذج السابقة، يجب علينا نحن الذين نحمل الهمّ الوطني، من مثقفين، وخبراء، وأصحاب تجربة أن نكفّ عن جلد الذات وأن نواجه الواقع كما هو لا كما نتمنى دون أن نكفّ عن قول الحقيقة. فالمعادلات الكبرى، والمشاريع “الغير قابلة للمس” والقرارات المصيرية التي تُعقد خلف الأبواب المغلقة قد تبقى كذلك في الوقت الراهن، لا بيدنا تغييرها، ولا نملك أدوات الوصول إليها. وهذه مرارة علينا تجرّعها، لا لنستسلم لها، بل لنعرف أين نقف وأين يمكن أن نُحدث فرقًا. لذلك، ينبغي أن نُوجّه طاقتنا نحو ما هو “قابل للمس”، نحو المساحات الرمادية التي يمكن التأثير فيها، وتوسيعها تدريجيًا. فالتغيير لا ينفجر فجأة من الأعلى، بل يتسرّب بصمت من بين الشقوق، يُبنى بصبر، وينضج بتراكم، حتى يصبح واقعًا لا يمكن تجاهله
الذي اتمناه ختاماً هو
صياغة رؤية وطنية شاملة متكاملة لإعادة الإعمار، تُعرض للنقاش، وتُبنى عليها كافة الاتفاقيات والقرارات المستقبلية
إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإعادة الإعمار، تضم خبراء من الداخل والمغتربين، وتكون مسؤولة عن مراجعة وتقييم كل العقود والمشاريع
ضمان الشفافية والمنافسة في العقود الاستراتيجية، عبر آليات طرح واضحة، ومشاركة مجتمعية، وتغطية إعلامية نزيهة
تحفيز الاستثمار المحلي والمغترب عبر استراتيجيات شاملة وحوافز حقيقية، وتسهيلات إجرائية، وتشريعات ضامنة
إشراك المجتمع السوري في رسم ملامح المستقبل، لا بالاستهلاك الإعلامي، بل بالفعل والمشاركة في صنع القرار



Leave a comment