في معادلة القيادة بين الولاء، الكفاءة، والثقة

المقدمة
حين نتحدث عن اختيار القادة، سواء في الدولة أو في المؤسسات، فإننا نخوض في سؤال شائك يتكرر في كل زمان ومكان: من يستحق أن يُمنح مفاتيح القرار؟
هل نُعطي الأولوية للولاء والثقة؟ أم نبحث عن الكفاءة والقدرة على الإنجاز؟ أم نطلبهما معًا في توليفة نادرة؟
القرآن الكريم أجاب في آية واحدة، تختصر فلسفة القيادة الرشيدة والناجحة
“قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” سورة القصص، آية 26
ففي هذا النص القرآني، معيارا الكفاءة (القوة) والنزاهة والولاء (الأمانة) يقدَّمان كركيزتين لا غنى عنهما في أي اختيار ناجح للقيادة
أولاً: من تجربة الدول إلى واقع سوريا
تاريخيًا، فشلت النظم التي اختارت ولاءً أعمى على حساب الكفاءة، تمامًا كما سقطت مؤسسات تمادت في تمجيد أصحاب المهارات دون اعتبارات أخلاقية أو ولائية. وفي حالة الأنظمة السورية البائدة، تشكّلت تركيبة الحكم لعقود على أساس “الولاء” المتمثل في القرب الشخصي والانتماء الضيق، لا على أساس الجدارة والفعالية
هذا الخلل في المعادلة أنتج قيادات تنفيذية وإدارية تفتقر لأدنى معايير القدرات أو الرؤية أو الجرأة أو حتى الفهم العميق للتحديات المعقدة التي تواجه البلاد، ونتج عنه تراكم مؤسسات مشلولة، ومبادرات غير مكتملة، وسرقات وهدر للمال العام ومحسوبيات وسخط شعبي واسع، في حين بقيت الكفاءات السورية، سواء في الداخل أو في شتات الأرض مهمشة
ثانيًا: إسقاط من عالم التحول المؤسسي
في التحولات المؤسسية الكبرى، خصوصًا في الشركات التي تمر بأزمات وجودية أو تحولات استراتيجية، يُبنى الفريق القيادي عادة على أساس ثلاث ركائز
القدرة على الإنجاز وفهم السوق والمهارات التقنية والخبرات القيادية Capabilities
الولاء والتماشي مع الرؤية الالتزام بالمهمة والجهة القيادية، حتى في الأوقات الصعبة Loyalty
الثقة والسلوك الأخلاقي، الشفافية، والنية الصادقة في العمل Trustworthiness
ويلاحظ أن القيادة الفعّالة في مراحل التحول تحتاج إلى “مركزية شديدة” في البداية. فصاحب الرؤية أو رئيس التحول وقائده يجب أن يُمسك بالخيوط جميعها، يراقب التفاصيل، يُقيل ويُعيّن بسرعة، ويتخذ القرارات ويُعيد ضبط الإيقاع. لكن مع تقدم العمل وبدء استقرار الهياكل، تصبح الحاجة ماسّة للتفويض، وتمكين الصف الثاني، وتوسيع الدوائر القيادية، وإلا تحوّل القائد إلى عنق زجاجة متفرد بالقرار يعيق النمو والتوسع
ثالثًا: الولاء ليس بديلًا عن الكفاءة
الخطأ الشائع – في الدول كما في الشركات – هو اعتبار أن “الثقة” وحدها كافية، أو أن “المعرفة السابقة” سبب كافٍ للتكليف أو أن الولاء يجب ويعوض نقص القدرات، لكن الواقع أن
المخلص عديم الكفاءة قد يُفسد أكثر مما يُصلح
والخبير الخالي من الأمانة قد يُهدر الجهد ويُفكك النظام
وهنا تظهر القيمة الجوهرية للآية الكريمة، والتي تقدم معيارًا ثنائي البُعد للاختيار
أن يكون الشخص قويًا (أي قادرًا، خبيرًا، مؤهلاً) وأن يكون أمينًا (نزيهًا، موثوقًا، مستقيمًا)
ولم يكن ترتيب هاتين الصفتين عبثاً. فقد قُدِمت القوة وتلتها الأمانة
والمعضلة تظهر عندما يكون من حولك
إما أقوياء بلا أمانة – يسعون لمصالحهم
أو أمناء بلا قوة – يفتقرون للمعرفة والخبرة ويخافون المسؤولية أو لا يفهمون التحديات
وهنا يكون دور القائد في كسر الدائرة المغلقة، والانفتاح على قيادات جديدة، قد لا تنتمي للـ”حلقة الضيقة”، لكنها تملك الرؤية، والنزاهة، والقدرة ووضع الحوكمة الكافية للمحاسبة والسؤال وقياس الإنجاز
رابعًا: من المركزية إلى التمكين
بداية التحول – سواء في الدولة أو المؤسسة – تتطلب تركيزًا شديدًا في القرار، خاصة عند وجود فوضى أو ترهّل. هذه المركزية لا تُعد خطأً إذا كانت مؤقتة، ومبنية على وضوح في الأهداف، واستعداد للمساءلة. لكن استمرار المركزية بعد تجاوز مرحلة الخطر، يحوّلها من أداة إصلاح إلى عائق نمو، ويُقصي الكفاءات، ويُرهق رأس الهرم
لذا، يجب أن يكون التخلي التدريجي عن التحكم الكامل جزءًا من خطة التحول – مع بناء منظومة مؤسساتية تعتمد على الكفاءات، والثقة المتبادلة، لا على الأشخاص أو العلاقات
خامسًا: ما بعد الحرب… قيادة من رحم الولاء لا من رحم الكفاءة
في المرحلة الحالية والتي تلت الحرب وتراجع الأعمال العسكرية في معظم الجغرافيا السورية، يجب أن تبدأ مرحلة إعادة البناء المؤسسي والاقتصادي والحوكمة الرشيدة. وعلينا جميعاً تجنب ما يمكن أن يسمى، في أغلبه، استمرارًا لنمط تعيينات قائم على الولاء السياسي والانتماء الضيق، مع تغاضٍ ملحوظ عن معايير الكفاءة والقدرة الإدارية
يجب أن تكون التجربة القاسية التي مرت بها سوريا الحبيبة دافعًا لإعادة التفكير في آليات اختيار القيادات التنفيذية، ولا نعيد تدوير نفس الأطر القديمة، واختيار القادة بناءً على مدى ولائهم، لا على مدى جدارتهم مما يؤدي إلى حالة من الجمود الإداري، وغياب المبادرة، وفقدان الثقة المجتمعية في مؤسسات الدولة
مايدعوني اليوم للتساؤل البنّاء أن العديد من الكفاءات السورية – التي أُبعدت أو أقصيت خلال الحرب أو قبلها أو اختارت الهجرة لأي سبب كان – لا تزال مهمشة، رغم ما تملكه من خبرات، في حين تُمنح مفاصل القرار لأشخاص يحملون الرصيد الغالب من الولاء، لا من القدرات
الخاتمة: الطريق إلى قيادة متزنة
ما تحتاجه سوريا – كما تحتاجه أي منظومة تسعى للتجدد هو قيادات تُحسن الاختيار حسب كل مرحلة وتُدرك التوازن بين القيم والمهارات، ولا تنجرّ وراء العلاقات أو الأيديولوجيا الضيقة، بل تبني على أساس
القوة: أي القدرة الفعلية على إدارة الملفات
الأمانة: أي الولاء للأمة، وليس للأفراد فقط
الرؤية: أي البوصلة التي تجمع وتُوجّه الجميع
في نهاية المطاف، القائد الحكيم هو من لا يُحيط نفسه بمن “يُشبهونه”، بل بمن يُكملونه



Leave a comment