تفجير كنيسة مار الياس في دمشق وصمة عار في جبين سوريا الجديدة

بقلب يعتصره الحزن والغضب، وبوجدان مثقل بالأسى، استقبلنا نبأ التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة في قلب دمشق. لم يكن مجرد انفجار… بل كان صرخة حارقة في ضمير كل إنسان يؤمن بالحياة، ويؤمن أن للدور العبادي – سواء كانت كنيسة أو مسجدًا أو كنيسًا – حرمة لا تُمس، وقداسة لا يجوز تدنيسها تحت أي ذريعة، وبأي فكر أو راية
في وقت تحتاج فيه سوريا إلى شفاء الجراح، والتئام الصفوف، وتضميد ألم السنين، يأتي هذا التفجير كطعنة جديدة في خاصرة الوطن، وكجرح نازف في ضمير كل إنسان حر، أيًا كان دينه أو انتماؤه
دمشق، مدينة الأنبياء والقديسين، عاصمة الحضارات، عاشت على مر العصور في كنف التنوع والتعايش. صوت الآذان لم يكن يومًا نشازًا بجوار قرع الأجراس. بل كانا معًا نسيجًا واحدًا في قلب المدينة، وسيمفونية روحانية لم يعرفها الشرق ولا الغرب بهذا الشكل الفريد. واستهداف كنيسة فيها، هو استهداف لكل الجهود التي تحاول إعادة بناء الوطن
أن تُستهدف كنيسة، بيت من بيوت الله، وهي تحتضن أرواحًا ركعت لله في صمت، فذلك فعل دنيء لا يمتّ إلى أي دين بصلة، ولا إلى أي قيمة أخلاقية أو إنسانية. بل هو تجسيد عارٍ للتوحّش والتطرّف والبُعد التام عن روح الدين
من فجر الكنيسة لم يعبّر عن دينه، بل عبّر عن ضياعه. ومن صمت عن هذه الجريمة بحجة الاختلاف الديني، فهو الآخر شريك في اغتيال قيم سوريا كلها. الإرهاب لا يفرّق بين دم ودم، فهو لا يرى إنسانًا، بل يرى فقط كراهيته، وأوهامه، وفكره المشوّه
لا أحد يملك الحق في أن يصنّف الأرواح على أساس الدين أو الطائفة. الظلم لا يحتاج هوية دينية لنحاربه. فمن قُتل وهو يصلّي، هو ضحية. ومن فجّر واعتدى، فهو مجرم. هذا هو ميزان العدل في كل الديانات، وفي مقدمتها الإسلام
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا
ما جرى في الكنيسة ليس “هجومًا طائفيًا” وحسب، بل هو اعتداء على كرامة سوريا، على نسيجها، على تاريخها العريق الذي تعايش فيه المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب، لمئات السنين، في احترام ومحبة
إن العدالة، في جوهرها، لا تقوم على الولاء الديني أو الانتماء الفكري، ولا على القرب أو البعد العائلي أو الطائفي. العدالة الحقّة، التي أقرّها الإسلام وكل الأديان السماوية، تقوم على الوقوف مع المظلوم، لا المظلوم بسبب دينه، بل المظلوم لأنه وقع عليه الظلم
ما حدث في الكنيسة يجب ألا يُفهم من منظور ديني ضيق، بل من منطلق أخلاقي وإنساني ووطني شامل: هناك ضحايا، أبرياء، كانوا يؤدون شعائرهم، فقُتلوا ظلمًا وعدوانًا. في هذه الحالة، يجب على كل صاحب ضمير حي أن يقف معهم، لا أن يبحث عن المبررات أو يصمت بدافع التحيّز
قال النبي محمد ﷺ: ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة
إن الوقوف إلى جانب الضحايا المسيحيين اليوم، هو من صميم الدين الإسلامي، وهو دفاع عن القيم التي جاء بها القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
هكذا نُؤمر أن نشهد بالعدل حتى لو خالف مصلحتنا أو أقرب الناس إلينا، فكيف بمن يعمّي عينيه عن الظلم لأن المظلوم ليس من طائفته
واقل درجات العدل هي أن نشارك بصوتنا. ما أحوجنا اليوم إلى صوت العقل والضمير، ما أحوجنا إلى تذكير أنفسنا أن من يتبنّى العنف تحت راية الدين لا يُمثّل الدين، بل يُمثّل جهله، وظلام قلبه، وانقطاعه عن جوهر الإيمان الحقيقي
رحم الله المصلين الأبرياء الذين سقطوا في هذا الهجوم الوحشي، وألهم ذويهم الصبر، وجعلنا وإياكم من الذين يقفون دائمًا مع الحق، لا مع الهوية… مع العدالة، لا مع الانتماء… مع المظلوم، لا مع المجرم، أيًا كان اسمه أو لباسه أو شعاره
انتبهوا واستيقظوا يا شركاء الوطن
إن استهداف أي طائفة، أو جماعة، أو بيت عبادة، هو استهداف للوطن بأكمله. ومن يظن أن “الأذى طال غيرنا اليوم، ولن يصل إلينا” فهو واهم. فالنار التي تحرق بيت جارك، إن لم تُطفأ، ستحرق بيتك غدًا
الصمت عن هذه الجريمة – أو تبريرها، أو حتى التحفّظ في إدانتها – هو قبول ضمني بثقافة الغدر، وثقافة اللاعدالة. من لا يتعاطف اليوم مع المظلوم لمجرد أنه لا يشبهه، سيفقد غدًا من يتعاطف معه عندما يقع عليه الظلم
مسؤولية لا يمكن التهرب منها
إن عدم اتخاذ خطوات جدّية وسريعة في هذا الملف سيؤدي بسوريا إلى منزلق بالغ الخطورة، ويُمهّد الطريق لتكرار هذه الجرائم، وربما إلى صراع أهلي جديد، مبني على الكراهية والثأر الطائفي، وهو ما لا يحتمله وطن أنهكته الحروب والتشرذم. كلمات الفلول والأيادي الخارجية والحالات الفردية استهلكت وانتهى وقتها ومفعلوها. لا تقوم دولة دون حساب وعقاب وضرب بيد من حديد على من يحاول زعزعة هذا الوطن كائناً من كان
الختام: موقف للضمير… لا للحياد
نحن اليوم لسنا أمام حادث عابر، بل أمام لحظة مفصلية، تختبر فيها القيم والمبادئ. من يقف مع الضحية، هو إنسان. من يقف ضد الجريمة، هو صاحب ضمير. ومن يختار الحياد في لحظة ظلم، فقد اختار – بوعي أو دون وعي – الاصطفاف مع الجلاد.
مرة أخرى، نسأل الله أن يتغمّد الضحايا برحمته، وأن يربط على قلوب أهاليهم، وأن يلهم السوريين جميعًا – مسلمين ومسيحيين وغيرهم – سُبُل التآخي والنجاة من هذا الجنون المتوحش
وليتنا نردّد بصدق، لا شعارات: اللهم اجعلني من أنصار المظلومين، لا من المتفرجين على ظلمهم



Leave a comment